محاضرات

في رحاب نهج البلاغة الحلقة السابعة

الشيخ علي فقيه

في رحاب نهج البلاغة الحلقة السابعة
قال أمير المؤمنين(ع) : إلى أن بعث الله سبحانه محمداً رسول الله(ص) لإنجاز عدته وإتمام نبوته، مأخوذاً على النبيين ميثاقه، مشهورةً سماته، كريماً ميلاده، وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة وأهواء منتشرة، وطوائف متشتتة بين مشبه لله بخلقه أو ملحد في اسمه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة:
بعد أن تحدث أمير المؤمنين(ع) عن بعث الأنبياء ووظائفهم وصعوبة المهمات التي قاموا بها خصّ خاتم الرسل وسيد الأنبياء بالذكر لدوره العظيم وأهمية المرحلة التي بعث بها ودقتها وحساسيتها حيث بعثه ربه في زمن استشرست فيه الوثنية وكثر فيه النفاق وسيطر الظلم والجور فكان الشر حاكماً والظلم نافذاً لا يُسمع للمظلوب ولا يُعبأُ بحاله.
لقد أرسل الله رسوله محمداً لإنجاز عدته وإتمام نبوته، أي لينجز تعالى ما وعد به من بعث خاتم الأنبياء على السنة الرسل الماضين الذين بشروا بخروج نبي في شبه جزيرة العرب، وكذلك فقد أتم الله بمحمد نبوته أي أنه ختم باب النبوة وأتمها بنبوة محمد بن عبد الله(ص).
وقوله(ع): مأخوذاً على النبيين ميثاقه: لقد أخذ اله الميثاق على النبيين بأنه سوف يبعث للبشرية منقذاً ومعلماً وموجهاً ورحمة لهم في الدنيا والآخرة يتمم به مكارم الأخلاق وينقلهم به من الظلمات إلى النور.
وقوله(ع): مشهورةً سماته، كريماً ميلاده: فهذا النبي العظيم الذي بشرت به الأنبياء سماته أي علاماته مشهورة ومعلومة، ولذلك فإن اليهود وغيرهم من مشركي العرب كانوا يعرفون الكثير عن النبي الموعود قبل ولادته، ولأجل ذلك كانوا يجولون في الأزقة والأسواق عندما تحققت بعض العلامات المبشرة به ويسألون الناس هل ولد اليوم في بني هاشم مولود، وكذا ما قاله بحيرا الراهب لأبي طالب عن مستقبل ابن أخيه عندما نظر إليه فوجده مطابقاً للعلامات التي وردت عنه في كتبهم، ولذلك قال أمير المؤمنين(ع) بأن سماته مشهورة ومعلومة، وأن مولده كريم لأن ولادته كانت ولادة عهد جديد مشرق بالعدل والرحمة والمساواة.
لقد تم مبعثه الشريف في وقت كانت أحوال الناس فيه صعبة للغاية، كانوا تائهين مشردين ومشتتين، كانت عقائدهم الفاسدة كثيرة جداً فلقد أصابهم التيه في العقيدة كما أصاب التيه بني إسرائيل في واديهم، بعث الله محمداً في وقت كانت تحكم المجتمع العربي عادات سيئة وتقاليد ظالمة من قتل وزنا ووأد للبنات وأكلٍ للربا والإنكباب على الأصنام التي اتخذوها أرباباً من دون الله، ولذلك قال أمير المؤمنين(ع): وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة وأهواء منتشرة: كل قبيلة منهم كانت تدين بدين خاص ينسجم مع أهوائهم حتى تعددت الأديان وكثرت المعتقدات فلم يدر الناس أي عقيدة هي الصحيحة لأنه لم يكن أحد منهم يدين بدين الحق الذي جاء به إبراهيم وموسى وعيسى، فمنهم من كان يشبّه الله بخلقه، ومنهم من أنكر وجود الخالق فألحد به، ومنهم من اتخذ لنفسه عبادات ما أنزل الله بها من سلطان، فبقوا كذلك حتى منّ الله عليهم فبعث فيهم رسوله ورحمته وقد أشار القرآن إلى هذا المبعث الشريف حيث يقول(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) وقال تعالى(يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وإلى هذا المعنى يشير أمير المؤمنين بقوله: وأهل الأرض يومئذ ملل متفرقة وأهواء منتشرة، وطوائف متشتتة بين مشبه لله بخلقه أو ملحد في اسمه، أو مشير إلى غيره، فهداهم به من الضلالة، وأنقذهم بمكانه من الجهالة:
وقال أمير المؤمنين(ع) ثم اختار سبحانه لمحمد(ص) لقاءه، ورضي له ما عنده، وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقام البلوى، فقبضه إليه كريماً(ص) وخلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في أممها إذ لم يتركوهم هَمَلاً بغير طريق واضح، ولا عَلم قائم، كتابَ ربكم فيكم مبيّناً حلالَه وحرامه، وفرائضه وفضائله، وناسخه ومنسوخه، ورخصه وعزائمه، وخاصه وعامه، وعبره وأمثاله، ومرسله ومحدوده، ومحكمه ومتشابهه، مفسِّراً مجملَه ومبيّناً غوامضه، بين مأخوذٍ ميثاقُ علمه، وموسَّعٍ على العباد في جهله، وبين مُثبَت في الكتاب فرضُه، ومعلوم في السنة نسخُه، وواجب في السنة أخذه، ومرخَّص في الكتاب تركه، وبين واجب في وقته، وزائل في مستقبله، ومبايَنٌ بين محارمه، من كبيرٍ أوعد عليه نيرانه، أو صغير أرصد له غفرانه، وبين مقبول في أدناه، موسَّع في أقصاه:
بعد أن أشار أمير المؤمنين(ع) إلى الأوضاع التي بعث فيها رسول الله إلى الناس وكيف عانى الأمرين في سبيل إنجاح الدعوة أشار إلى التحاقه بالرفيق الأعلى حيث قال: وأكرمه عن دار الدنيا، ورغب به عن مقام البلوى، فقبضه إليه كريماً: لقد أكرمه عن هذه الدار بدار المُقام ودار الخلود التي لا تعب فيها ولا هموم ولا أمراض ولا أوجاع ولا منافقون ينغصون عليه معيشته كما كانوا يصنعون معه في دار الدنيا.
ثم لفت الإمام أنظارنا إلى مسألة في غاية الأهمية وهي ما خلّفه الرسول فينا وبيننا فقال: وخلّف فيكم ما خلّفت الأنبياء في أممها إذ لم يتركوهم هَمَلاً بغير طريق واضح، ولا عَلم قائم: الإمام(ع) يذكرنا بوصايا رسول الله لنا، خصوصاً وأن هناك أشخاصاً استغلوا وفاة الرسول وادعوا بأن كل شيء قد انتهى بوفاته مع أنه(ص) طالما أوصاهم بكتاب الله وعترته الطاهرة مبيناً لهم أنهما الطريق الصحيح الذي يوصلنا إلى الرضوان والسعادة، وأن الإقتداء بهما هو التزام بأوامر الله تعالى الذي طالما أمرنا في كتابه العزيز بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وهم آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
لقد أطبق الطرفان على قوله(ص) إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي: ولقد حاول بعضهم أن يضلل الناس فغيروا بعض الكلمات الواردة في هذا الحديث الشريف ليصرفوا الناس عن آل الرسول الذين كانوا باب الله الذي منه يؤتى.
لقد أوصانا بكليهما لأنهما يكملان بعضهما البعض، ونحن كمسلمين لولا آل محمد لم نفهم معاني هذا الكتاب المعجزة الذي لا يعلم تأويله إلا الله والمعصومون، ولهذا أشار علي(ع) إلى كونه تعالى لم يترك أمة محمد في تيه وحيرة وضلال وإنما منّ عليهم بكتابه الكريم وأوصياء رسوله المنتجبين الأخيار الأطهار فجعلهم قدوة للناس في الدنيا ونوراً يهتدى به في ظلمات الحياة.
ثم راح(ع) يوضح لنا شيئاً عن هذا الكتاب العظيم الذي يجب اتباعه والأخذ به لأنه كلام الخالق القدير سبحانه وتعالى، وأن فيه الناسخ والمنسوخ والعبر والحكم والأمثال وغير ذلك من التعاليم التي تنفعنا في الدنيا والآخرة.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى